اخبار اوروبا

تقرير:البنك المركزي الأوروبي وسلاحه المعيب

Advertisements

مع استمرار معدلات التضخم في منطقة اليورو على مسارها النزولي العنيد، تتنامى الضغوط المفروضة على البنك المركزي الأوروبي لحمله على القيام “بشيء” لمنع الانكماش الصريح. ويُفهَم هذا “الشيء” عادة بأنه المشتريات الضخمة من الأصول، أو التيسير الكمي. ولكن هل ينجح التيسير الكمي حقاً في أداء هذه المهمة؟
كانت المناقشة حتى الآن تتبع أنماطاً وطنية يسهل التنبؤ بها: فالبلدان الدائنة لا تعترض على الانكماش، لأنه يزيد من القيمة الحقيقية لاستثماراتها، في حين يجعل أعباء السداد المفروضة على البلدان المدينة أعظم.
في الاقتصادات المغلقة، لابد أن يكون لكل ائتمان دين يقابله. ولكن بتأمل حال البلدان فرادى، سنجد أن بعضها تتحمل ديوناً خارجية ضخمة، في حين تحافظ أخرى على موقف دائن قوي.
وتحتل الولايات المتحدة وألمانيا طرفي النقيض على نطاق الدائن-المدين. فالولايات المتحدة، التي تستفيد من “الامتياز الباهظ” المتمثل في قدرتها على إصدار الديون مقومة بعملتها الخاصة، ظلت لفترة تزيد على الثلاثين عاماً تدير عجزاً في حسابها الجاري. ويتجاوز إجمالي الديون الأجنبية المستحقة على سكان الولايات المتحدة (وأغلبها مقومة بالدولار الأميركي) سبعة تريليونات دولار. وهذا يعني ضمناً أن أي خفض في أسعار الفائدة الأميركية من شأنه أن يفيد البلاد بالكامل، نسبة إلى البلدان الدائنة، مثل ألمانيا، حيث ينخفض الدخل من الفائدة.
وفي منطقة اليورو، حيث كانت الحسابات الخارجية شبه متوازنة حتى وقت قريب، نشأ طيف مماثل من الدائن/المدين، حيث تحتل ألمانيا وهولندا الطرف الدائن، في حين تقبع أغلب بلدان جنوب منطقة اليورو عند الطرف المدين. ويفسر هذا جزئياً الموقف العدائي تجاه التيسير الكمي في الصحافة المالية الألمانية والنداءات اليائسة من قبل البلدان المثقلة بالديون الواقعة على أطراف منطقة اليورو في مطالبة البنك المركزي الأوروبي بالمزيد من العمل.
ولكن في منطقة اليورو، يُعَد التيسير الكمي استجابة مشكوك فيها لمثل هذه النداءات. فالتيسير الكمي أداة خاصة تستخدم عندما تكون أسعار الفائدة الرسمية القصيرة والمتوسطة الأجل لدى البنك المركزي عند مستوى الصفر بالفعل ويرغب البنك في خفض أسعار الفائدة الطويلة الأجل. وهذا يعني ضمناً أن التيسير الكمي لن يكون فعّالاً إلا في الاقتصادات حيث تلعب التغيرات في أسعار الفائدة (السوقية) الطويلة الأجل دوراً مهماً في القطاع الخاص.
ولكن هذه ليست الحال في أوروبا، حيث تُـمَوَّل أغلب الاستثمارات عن طريق القروض المصرفية التي لا تطول مدة استحقاقها عادة ــ أقل من خمس سنوات غالبا ــ لأن البنوك ذاتها لديها القليل من التمويل الآمن الطويل الأجل. وعلاوة على ذلك، لا ترتبط أسعار الفائدة على هذه القروض بأسعار الفائدة في السوق، ولكن بتكلفة إعادة تمويل البنوك، والتي تقترب من الصفر بالفعل.
وبالتالي فإن خفض أسعار الفائدة الطويلة الأجل على السندات الحكومية في منطقة اليورو من غير المرجح أن يعمل على تحسين ظروف تمويل قطاع الشركات وتعزيز الطلب على الاستثمار. وفي الولايات المتحدة، على النقيض من هذا، تُمَوَّل نسبة أكبر كثيراً من الاستثمار بإصدار السندات، والتي من الممكن أن تطول فترات استحقاقها عن القروض المصرفية. وعلاوة على ذلك، يتم تسعير هذه السندات كفوارق على منحنى عائدات السندات الحكومية، وهذا يعني أن التيسير الكمي من شأنه أن يخلف تأثيراً مباشراً على تكاليف تمويل المشاريع.
وبالنسبة للأسر، يصبح التأثير الرئيسي المترتب على انخفاض أسعار الفائدة محسوساً من خلال الرهن العقاري. ولكن أغلب بلدان جنوب أوروبا تعتمد في الأساس على أسعار معومة، والتي تقترب من الصفر بالفعل.
وفي الولايات المتحدة، تتمتع الأسر بخيار سداد قروض الرهن العقاري مقدماً في حالة هبوط أسعار الفائدة. وعلاوة على ذلك، يتم تحويل قروض الرهن العقاري عادة إلى أوراق مالية. وهذا يعني ضمناً أن انخفاض السعر الذي يمكن بيع حِزَم الرهن العقاري به في السوق من الممكن أن يخلف تأثيراً قوياً على الإنفاق الأسري، لأن انخفاض أسعار الفائدة الطويلة الأجل يؤدي عادة إلى موجات من إعادة تمويل الرهن العقاري، وهذا من شأنه أن يخفض الأقساط الشهرية المستحقة على الأسر ــ وهو ما يزيد بالتالي من الدخل المتاح القابل للتصرف.
وعندما يشتري البنك المركزي كميات كبيرة من السندات، تميل كل أسعار الأصول، بما في ذلك أسعار المساكن، إلى الزيادة. وهنا أيضاً تشكل الولايات المتحدة، حيث تعمل أسعار المساكن المرتفعة على تحفيز الاستهلاك، مثالاً مضللاً لأوروبا. ذلك أن معدلات شغل مالكي العقارات للوحدات السكنية مرتفعة في الولايات المتحدة، ويسمح النظام المالي للأسر باستخلاص رأس المال في مساكنهم بأسعار بخسة نسبيا، إما من خلال حق الحجز الثانوي أو بإعادة تمويل الرهن العقاري بالكامل.
وهذا غير وراد في أغلب بلدان أوروبا، وخاصة في ألمانيا، حيث تظل حدود القرض إلى القيمة معتدلة، وإعادة التمويل مكلفة، وحيث ترفض البنوك أي محاولة للاستفادة من “أسهم المساكن” لتمويل عطلة أو سيارة جديدة. وعلاوة على ذلك، تعمل أسعار المساكن والإيجارات المرتفعة على توزيع الدخل من الأسر الأفقر (التي تستأجر عادة) إلى الأسر الأكثر ثراء (التي تمتلك مساكنها). ولكن الفقراء أكثر ميلاً إلى الإنفاق مقارنة بالأغنياء. ومن الواضح أن طفرة الإسكان في أمة من المستأجرين قد تؤدي فعلياً إلى انخفاض الاستهلاك الكلي.
وبالتالي فإن الاختلافات في البنية المالية تشكل أهمية بالغة في الجهود الرامية إلى منع الانكماش. ورغم أن التيسير الكمي قد ينجح في اقتصاد مدين يتمتع بنظام مالي مرن مثل الولايات المتحدة، فإنه قد يؤدي إلى نتائج عكسية في اقتصاد دائن يحكمه نظام مالي محافظ. والواقع أن هذا، وليس الخوف من أن ينهي البنك المركزي الأوروبي مشترياته من سندات الحكومات غير الجديرة بالثقة، هو الذي يشكل الحجة الحقيقية ضد التيسير الكمي في منطقة اليورو.

 

 

Advertisements

نقلاً عن وكالة الغد

Advertisements
زر الذهاب إلى الأعلى