1430315504X3XibHA0_650x400

مسلمو بلجيكا بين التسامح والتطرف ونظرة الإعلام السلبية

مسلمو بلجيكا بين التسامح والتطرف ونظرة الإعلام السلبية

في 15 يناير/ كانون الثاني من العام 2015، بعد اعتداءات باريس الإرهابية، قتلت الشرطة البلجيكية شخصين متهمين بكونهما “جهاديين” في مدينة فيرفييرس البلجيكية، بعدها خرجت الصحافة البلجيكية تتحدث عن هذه المنطقة باعتبارها “مكانا خصباً للجهاديين”.

على الرغم من الشكوك التي تحوم حول بعض مساجد المدينة باعتبارها أصولية، فإن الشرطة عجزت عن اكتشاف علامات التطرف فيها. وكما هو الحال في فرنسا، فإن السلطات تعترف بأنها تُواجه شبابا يصلون إلى التطرف، بسرعة فائقة، بعيدا عن المساجد أو الأماكن التي يمكن تحديدها، أي عن طريق الإنترنت.

رغم أنها بلد صغير فقد أصبحت أكبر “مصدّر” للجهاديين في أوروبا الغربية إلى الشرق الأوسط (أكثر من 440 شخصاً). وهؤلاء الشباب ليسوا كلهم منحدرين من أجيال الهجرة بل وينحدر بعضهم من شرائح اجتماعية ليست فقيرة، واعتنقوا الإسلام.

يوجد في بلجيكا ما يقرب من 330 مسجداً، نصفها يوجد في فلاندر، الناطقة بالهولندية، والنصف الآخر موزع بين والونيا وبروكسل. وهي أرقام لا تعكس حقيقة الأمر، لأن الكثير منها لا يزال ينتظر الاعتراف الرسمي بها. والدولة لم تعترف سوى بـ 85 مسجدا ويحدو ممثلي الديانة الإسلامية الأملُ في اعتراف الدولة بـ 21 مسجدا جديدا قبل نهاية سنة 2015.

ويتواجد في البلد ما يقرب من 300 إمام، قدم معظمهم من المغرب وتركيا، نظرا لانحدار غالبية المسلمين من هذين البلدين. وإذا كان الأئمة يتعرضون للتشكيك والاتهامات، من قبل الإعلام البلجيكي واليمين المتطرف، بإنتاج خطاب الكراهية وتفريخ “الجهاديين”، فإن بلجيكا عرفت في تاريخها حدثين مأسويين تعرض لهما إمامان على أراضيها، الأول هو اغتيال إمام ومدير المركز الإسلامي في بروكسل (1989)، عبد الله محمد قاسم الأهدل، وكان يتأهب لاجتماع مع مجموعة من أئمة المساجد لتدارس شؤون المساجد، وشكل مقتله صدمة كبيرة في أوساط مسلمي بلجيكا، خصوصا أن أسباب مقتله لم تكشف لحدّ الساعة، والحدث الثاني اغتيال إمام شيعي في مدينة أندرلخت سنة 2012.

لا يختلف الإعلام في بلجيكا عن نظيره في فرنسا، في نظرته السلبية، في غالبيته إلى الإسلام، وهو ما يتجلى في تكريس مقالات تخيف البلجيكيين، من الإسلام على الرغم من أنه ديانة وطنية. من هذه المقالات ما جاء في صحيفة لوسوار (المساء) البلجيكية إذ كرست مقالا، بتاريخ 11 فبراير/شباط 2015 بعنوان: “هل نصف المسلمين البلجيكيين أصوليون”؟ واستعانت فيه بدراسة أجراها “مركز برلين الاجتماعي للعلوم”، تبرز أن 70 في المائة من المسلمين البلجيكيين يعتبرون الأحكام الدينية أكثر أهمية من القانون. وشمل الاستطلاع 1200 شخص، من أصول مغربية وتركية في معظمهم، وكشف أن نصفهم يعتبرون أنفسهم أصوليين.

وتم الوصول إلى هذه النتيجة عبر تأكيد ثلاث مسلمات: يتوجب على المسلمين العودة إلى جذور إيمانهم (66 في المائة)، ولا توجد سوى قراءة واحدة للقرآن وكل مسلم يجب أن يلتزم بها (82,2 في المائة)، الأحكام الدينية أكثر أهمية من القانون ( 69,6 في المائة).

أثناء إجراء التحقيق، قررت بلجيكا طرد الشيخ العلمي وهو إمام مسجد صومالي في مدينة فيرفييرس من أصول مغربية إلى هولندا، في حين أن ملفات أربعة أئمة آخرين، منهم مغربيان وجزائري وأفغاني، تنتظر البحث والدراسة. وتتحدث وسائل الإعلام في بلجيكا عن سفر بعض مرتادي دروس الشيخ إلى سورية والعراق.

وتعد هذه هي المرة الأولى التي تضطر فيها الحكومة البلجيكية إلى اتخاذ مثل هذا القرار، في حين أن فرنسا اعترفت بطرد العشرات من هؤلاء الأئمة المتطرفين، منذ سنة 2012. وهو ما رأى فيه الباحث الفرنسي ماثيو غيدير اقترابا بلجيكيا من الموقف الفرنسي قائلا: “الحالة البلجيكية قريبة من حالة فرنسا، ولكن الوضعية الفرنسية، كانت في البداية، تمثل حالة فريدة، لأن فرنسا تنفي التعددية الثقافية والهوية الدينية لمواطنيها.

ولكن منذ اعتداءات يناير/ كانون الثاني ضد شارلي إيبدو، استطاعت فرنسا أن تجذب إلى تصوراتها العديد من البلدان الأوروبية، التي بدأت تنظر الآن إلى الظاهرة بعيون فرنسية. وهكذا فإن كل تعبير انشقاقي، حتى لو كان عبارة عن انتقاد للحضارة الغربية، يصبح مشبوها، ويمكن أن يُعرّض صاحبه لعقوبات إذا تمّ التلفظ به في مسجد. وحتى الأئمة المعتدلون يدفعون، اليوم، ثمن تغير هذا المزاج على المستوى الأوروبي”.

ويعلق محمد زروليت، رئيس فدرالية الجمعيات المغربية بأوروبا، المتابع للموضوع البلجيكي بشكل جيد، بسبب لقاءاته والمؤتمرات التي ينظمها مع المساجد المغربية في بلجيكا: “إن محاولة التعميم لا يمكن القبول بها، وهي ليست صحيحة. والسلطات البلجيكية تعرف الأمر جيدا. فهل من المعقول على إمام عاقل أن يمتدح إرهابيا كمحمد مراح قتل أبرياء، من بينهم مغاربة”؟ ويضيف أن “معظم الأئمة ينحدرون من المغرب وتركيا، وتكوّنوا فيهما، وهذان البلدان يدافعان عن إسلام معتدل ووسطي، وهما صديقان لبلجيكا”.

ونفس الموقف أكّد عليه الإمام إسماعيل النعماني، وهو إمام مسجد النور في العاصمة الهولندية أمستردام، ويزور مساجد بلجيكا بشكل دائم: “نحن نضع نصب أعيننا مصلحة البلد الذي نتواجد فيه، وأيضا مصلحة الأغلبية الساحقة من المسلمين، الذين لا يريدون سوى الأمن والسكينة والشغل، وممارسة طقوسهم الدينية في حرية يضمنها القانون”.

النقاش الحالي في بلجيكا يتركز على مسألة انبثاق “إسلام بلجيكي”، والأمر ليس بعيدا عن نظيره الفرنسي، فالخطاب الفرنسي لا يتوقف عن الحديث عن ضرورة ظهور “الإسلام الفرنسي”، على الرغم من أنه موجود، فالإسلام الآن، يعيشه الجيل الثالث للمهاجرين. كما يقول المفكر طارق رمضان، والذي يضيف أن “مسلمي فرنسا وبلجيكا و هولندا وألمانيا انتقلوا من “الإسلام في فرنسا” إلى “الإسلام الفرنسي”، قبل فترة طويلة، ولكن السلطات لا تريد أن ترى الحقيقة، لأنها تريد استمرار سياسة الوصاية والأبوية والاحتواء”.

والتناقض كما يقول الإعلامي البلجيكي ( مغربي الأصل) أحمد أوباري، هو وجود قلق بلجيكي فيما يخص قضية الأئمة بسبب التأثير الخارجي أو بسبب وجود تيارات إسلامية خاصة، وهو ما يعني أن الإمام الذي يتم تعيينه من الخارج لا تتحكم فيه السلطات البلجيكية.

وتعترف السلطات البلجيكية أن الأئمة القادمين من بلدان أجنبية يعتبرون كابحين للاندماج، إذ يظلون تحت تأثير دول أجنبية. ومن هنا يُطرح بقوة موضوع تكوين وتأهيل الأئمة في بلجيكا، وهو ما لا يعارضه ممثلو الإسلام في بلجيكا، وبخاصة المنحدرين من المغرب، ولكنهم يشترطون أن يكون لهم دور في التكوين إلى جانب الجامعات والأكاديميات. ويبدو أن زملاءهم الأتراك يوافقون على الأمر ولكنهم لا يريدون أي تدخل للحكومة البلجيكية في القضايا الدينية: “نرحب بالدعم المعنوي والمالي للدولة، ولكن المسلمين يجب أن يظلوا الفاعلين الرئيسيين” كما تؤكد مصادر من بينهم.

وعلى الرغم من أن السلطات البلجيكية لم تعترف إلا بنسبة قليلة من المساجد ودور العبادة، فإن الخاصية الفدرالية البلجيكية، المختلفة عن فرنسا (البلد الواحد المركزي والذي لا يزال يرفض الاعتراف باللغات الجهوية والوطنية)، تسمح، بسبب التعدد الثقافي فيها وبسبب الاعتراف بحقوق الأقليات، للمسلمين بافتتاح مساجدهم وأماكن عبادتهم، بسهولة أكبر. وهذا التساهل، الذي استمر خلال عقود، يمكن أن يفسّر التردد الرسمي الكبير قبل مطالبة الإمام العلمي بمغادرة البلد في غضون شهر، مقارنة مع فرنسا التي تطرد العشرات بصفة استعجالية.

تتحدث بعض الإحصاءات عن أن ثلث سكان العاصمة بروكسل مسلمون. ويمثل المغاربة رابع جالية أجنبية بعد الإيطاليين والفرنسيين والهولنديين. وتتعامل الغالبية العظمى من المواطنين البلجيكيين، بإيجابية كبيرة مع مواطنيها المسلمين، رغم اليمين المتطرف العنصري ورغم التهويل والتهييج الإعلامي، ورغم تدخلات بعض الساسة، كسكرتير الدولة للجوء والهجرة، ثيو فرانكين، الذي أطلق تصريحات عنصرية، من نوع: “أستطيع أن أصوّر لنفسي القيمة المضافة للشتات اليهودي والصيني والهندي، لكن بدرجة أقل الشتات المغربي، الكنغولي أو الجزائري”، و “كل المسلمين خارج بروكسل، سيكون الأمر مسليّا”، وهو ما يعقب عليه الإعلامي أحمد أوباري بالقول: “الشعب البلجيكي متسامح، وبالتالي لن يعير انتباها كبيرا لهذا المهووس بإشعال الحرائق. وآخر حماقاته كانت رفضه استقبال لاجئين جدد في بلجيكا. ثم إن مستوى الإسلاموفوبيا في بلجيكا أدنى بكثير من فرنسا”.

-فدوى وعلي-