AR-ASLS-083

قصة المغربية نوال الصوفي…”ملاك اللاجئين”

كتبت: فدوى وعلي

لا تترك نوال الصوفي أبدا هاتفها النقال بعد أن صار رقمها هو أول ما يتصل به عدد كبير من اللاجئين السوريين التائهين في البحر طلبا للنجدة والاغاثة.

تلقت نوال أول اتصال من شخص مذعور صباح أحد ايام صيف 2013. كان مئات السوريين تائهين في البحر المتوسط على مركب مهدد بالغرق بعد أن بدأت تتسرب إليه المياه.

فوجئت نوال الصوفي بالاتصال لكنها عمدت فورا إلى إبلاغ خفر السواحل الإيطاليين، الذين شرحوا لها كيف يمكنها مساعدة المهاجرين على معرفة إحداثيات موقعهم باستخدام نظام جي.بي.اس في هاتف متصل بالأقمار الصناعية، لتوجيه فرق الإغاثة للعثور عليهم. بعد ساعات صمت طويلة، تنفست أخيرا الصعداء. كانوا جميعا سالمين. منذ ذلك الحين، تكرر هذا السيناريو مئات المرات.

في تصريح لوكالة فرانس برس، قالت هذه الشابة، التي صدر في قصتها بألمانيا كتاب يتناول قصتها بعنوان “نوال، ملاك اللاجئين”، “يمكن أن أتلقى اتصالا في أي وقت. المهاجرون في البحر يصرخون: نحن 500 في المركب، نفدت المياه، نحن في البحر منذ 10 أيام…”.

اضطرت نوال الصوفي في إحدى ليالي ماي الحالي إلى بذل جهود استمرت خمس ساعات لتهدئة محدثها والحصول على إحداثيات موقع المركب عبر نظام جي.بي.اس، وهي المعلومة الوحيدة المهمة التي مكنت أخيرا من إنقاذ 345 مهاجرا ثلثهم من الأطفال. “نظام ايواء اللاجئين ضعيف في إيطاليا، لكن لديها واحدة من افضل أنظمة الاغاثة في اوروبا”، تقول نوال.

ولدت نوال الصوفي في المغرب ووصلت إلى كاتانيا عل سفح جبل “اتنا” عندما كانت في الأسبوع الثالث من العمر. اهتمت بالثورة السورية ابتداء من ربيع، 2011 وأمضت ليالي طويلة على شبكات التواصل الاجتماعي مع ناشطين يعارضون النظام السوري برئاسة بشار الأسد.
في مارس2013 رافقت سيارة إسعاف تحمل أدوية إلى حلب، ووزعت رقم هاتفها على المشاركين في كل لقاء عقدته هناك. بات هذا الرقم يتنقل بين الراغبين في المغادرة، وحتى لو أن نوال وضعت رقم خفر السواحل في مكان بارز على صفحتها في فيسبوك، فإن هاتفها لا يتوقف عن الرنين.

مساء 20 أبريل الماضي كانت على رصيف كاتانيا وسط عشرات الصحافيين الذين توافدوا لنقل وقائع وصول 28 شخصا نجوا من حادثة غرق أسفرت عن مصرع حوالى 800 شخص قبل يومين. طلبت بعصبية ان ذلك أرقاما على هاتفها القديم الذي تفضله على سواه بسبب حياة بطاريته المديدة. لم يكن لديها الوقت لكي تحزن، فقد تلقت اتصالا اخر لطلب المساعدة.

إلى هذه الاتصالات التي لا تتوقف، تضاف اتصالات قلقة يجريها أقارب يريدون أن يعرفوا هل نجا أبناؤهم أو أمهاتهم أو أزواجهم…

حاولت نوال أحيانا أن تعطي هاتفها لأشخاص اخرين لكي ترتاح قليلا، لكنهم أعادوه لها بعد 24 ساعة، لأن القلق الذي يعبر عنه الأهالي يتخطى قدرتهم على الاحتمال.

قال الكاهن موسي زرعي الذي يتلقى منذ 2003 اتصالات من الإريتريين التائهين في البحر أو ما زالوا عالقين في ليبيا أو في سيناء، “هذا أمر لا يمكن احتماله إلا عندما نتقبله باعتباره رسالة. انه عبء ثقيل، لكن هذه هي قسوة العالم”. يضيف موسي: “ما يفرحنا هو وجود عدد كبير من الشبان المتطوعين مثل نوال… تعجبني شجاعتها، الأمر ليس سهلا خصوصا بالنسبة إلى شابة في جنوب إيطاليا”.

وعندما لا ترد على الهاتف، تتابع نوال الصوفي في كاتانيا دروسا في العلوم السياسية وتعمل في الوقت نفسه بدوام جزئي مترجمة في محاكم صقلية. تمضي نوال أيضا وقتا طويلا في محطة قطار كاتانيا حيث يسعى عدد من المهاجرين الذين وصلوا حديثا إلى متابعة رحلتهم إلى شمال أوروبا، على رغم القوانين الأوروبية.

“عملي هو عرقلة عمل المهربين عبر الحدود البرية وأن اشرح للاجئين بأنهم يستطيعون تبديل دولاراتهم في المصرف أو ركوب القطار إلى ميلانو من دون الاستعانة بوسطاء محتالين”، تضيف نوال.

تبتسم نوال عندما تسأل عن تهمة تقديم المساعدة إلى الهجرة السرية. ففي المحطة، توزع نصائحها على مسمع ومرأى من رجال الشرطة المرتاحين لقدرتها على إبعاد “المحتالين” الذين يحومون حول المهاجرين. تعود نوال كل ليلة للنوم في منزل عائلتها، “الركيزة الأساسية” التي تمدها بالحنان وتؤيد ما تقوم به. لكن والدتها تريد أن ترد نوال بسرعة على اتصالاتها كما ترد على اتصالات المهاجرين الذين يستغيثون بها. وتنوي أيضا شراء هاتف متصل بالأقمار الصناعية حتى تستخدم هي أيضا رقما يبدأ ب” +88″ ما قد يدفع بنوال للرد عليها فورا.