الجهادية الأوروبية تعكس الأزمة السياسية وتعطي معنى جديدا للموت الطوعي

غادر عشرات الآلاف من الشباب باتجاه سوريا. تحدث هذه الجهادية في فترة أزمة حيث إن تأطير الحياة الجماعية فقد قدرته على خلق الحس الجماعي المشترك.

 

في الماضي، لم تجذب الحروب الأهلية في العالم العربي، إلا عددا محدودا جدا من الأوروبيين المسلمين أو الذين دخلوا إلى الإسلام. وفي مواجهة هجرة الشباب الأوروبي باتجاه سوريا للانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية (OEI)، نواجه حقيقة رئيسية تشير إلى الوضع في سوريا كما إلى اضطراب هؤلاء الشباب، المنتمين إلى طبقة العمال والطبقة المتوسطة، والذين يغامرون في المؤسسة الجهادية.

 

كيف يمكن تفسير هذه الظاهرة؟  هناك إحساس عميق بالظلم تجاه ما يحدث في سوريا. وهناك أيضا إحساس “إنساني” يعرب عنه شباب الطبقة المتوسطة بالخصوص، والذي يدفعهم إلى التحرك. تعتبر مواجهة الموت الخطوة الأولى الحقيقية  التي تنقلهم من عالم الطفولة السيئ إلى فراغ كلياتهم. إلا أنه يوجد هناك بعد أساسي لاضطراب الشباب، مهما كانت الطبقة الاجتماعية التي ينتمون إليها : وهي انسداد الأفق. فبالنسبة لشباب الأحياء، فإن السياسة هي شأن من شؤون الآخرين، ولا يجدون فيها أي وعد بالترقي الاجتماعي. أما بالنسبة لشباب الطبقة المتوسطة، فإن السياسة لم تعد قادرة على تأمين مستقبلهم كمواطنين فاعلين، لديهم وظيفة، ولم تعد الدولة القومية تنظم حياتهم الاقتصادية والاجتماعية وتؤطر الفوارق الطبقية.

 

بناء المواطنة

هذا الاضطراب هو نتيجة لانهيار السياسة كشكل من القدسية الخيالية. وباختفاء هذه الرؤيا السياسية، فإن تحقيق الذات يسعى لآفاق جديدة، وهنا يقدم الجهاد الديني هذا الجذب الرئيسي للجمع بين “تحرير” الفرد في هذه الدنيا وفي الحياة الأخرى.

 

في فرنسا، ومنذ ثورة 1789، لعبت السياسة دورا رئيسيا في تحديد الذات لدى المواطنين. إنه يدور أساسا حول قطب مركزي : النهوض الاجتماعي والاقتصادي للمواطنين هو الفهم الداخلي المبني على أساس الاعتقاد ببناء أمة ذات مصير مشترك. وحتى المواطن الفقير يمكنه أن يتوقع ان يكون بخير، ليس فقط بشكل فردي، ولكن عن طريق تحديد قضية عالمية. إذ تلعب السياسة دورا عميقا في إدارة كرامتهم. يمكن أن نكون فقراء، ولكن بكرامة، فتحديد القضية المشتركة لهؤلاء البروليتاريين تسمح بتجاوز الشرط المادي للوصول إلى المثل الأعلى للمجتمع المشترك في المستقبل. وقد تحطمت هذه البنية القومية في العقود الخيرة. وحاليا فإن الخوف من إعادة التصنيف الاجتماعي هو ما يقلق الشباب. وبالتالي فالقاسم المشترك بينهم الآن هو انعدام الثقة في المستقبل والأمل.

 

إذن فالجهادية هي إعادة البناء، ولكن لفرضيات خاطئة يجهلها الشباب، في بحثهم عن المدينة الفاضلة التي تمنحهم معنى لحياتهم. والنتيجة هي الوصول إلى رؤية سياسية قمعية وارتدادية، هربت في وقت مبكر من يقظة الشباب.

 

وتعتبر أوروبا، حيث فشلت السياسة ولم يترافق أي مشروع  شامل للمجتمع مع المستقبل، غير مواتية لأشكال أسطورية من التسييس أو  الوعد بالسعادة على الأرض باسم  أمة جديدة وهمية ورؤية بطولية كمدافع عن الإيمان اللذين يعطيان معنى للوجود.

 

متخيل ما بعد القومية

تتوفر الجهادية على متخيل جديد عابر للحدود الوطنية والذي يكشف عن أزمة الهوية الوطنية في أوروبا. إذ يتدفق شباب من كل الآفاق نحو سوريا للدفاع عن الخلافة التي أعلنها تنظيم الدولة الإسلامية باعتبارها تعبيرا عن الكونية الجديدة. فيما تحجب الرومانسية الساذجة والمتحررة بعدها القمعي المرتبط بافتراضية الشبكة بقدر ما هو رؤية للمستقبل الذي تم هجره في أوروبا. ويتجدر هذا المتخيل الجديد في فترة ما بعد المراهقة في الرغبة في المرور إلى مرحلة البلوغ عبر طقس مرور المحارب، والذي يعمل داخل هذا المتخيل ما بعد القومية اذي يتجاهل الآن الأمة ويعبر عن الأمل في الذوبان في العالمية الأسطورية للإمبراطورية حيث يعيش كل المسلمين، مجازيين أو حقيقيين، فوق خصوصياتهم القومية.

 

ترتبط هذه الحقيقة بعجز القومية عن تامين مواطَنة فاعلة للفرد الجانح والذي يجب أن يُرفض من منظور حياة لائقة وكريمة ن مع حد أدنى من اليقين باتخاذ القرار في العمل وفي “العيش معا” حسب العدالة الاقتصادية والاجتماعية.

 

اكتشاف معنى المقدس

تفتح سياسة السخط  الطريق إلى “تدين متوحش”، خصوصا وأن العلمانية الشديدة  دحرت التدين العادي  واللائكية المتطرفة منعت التدين الإسلامي في طابعه المؤسساتي. في الطبقات المتوسطة، يجب اعتبار نداء الجهاد على أنه إغراء بعالم متسامح يجعله تنظيم الدولة الإسلامية متلألئا في عيون الشباب الذين يغمرهم إحساس بالفراغ في عالم حيث يُحظر المقدس تحت شكل مغيب تقريبا. ويُحرر التدنيس الشامل وفقدان  الحس الديني بشكل شامل المتخيَّل نحو آفاق جديدة متصلبة، حيث يبحث الشباب عن معنى فُقد منهم. إن إضفاء طابع المؤسساتية على المسيحية في أوروبا يجعل التدين “متوحشا” ويقود إلى البحث عن معنى يؤدي إلى  الطائفية في كل أشكالها. وهو نوع من التحرر بالنسبة للبعض، ولكن، بالنسبة للبعض الآخر هو هجر مخيف للفرد في غياب المعايير المتعلقة بالمقدس.

 

وتجمع الجهادية العديد من السجلات التي تمسك بغرابة الإيمان مقترحة معنى متينا للمقدس الذي ينفصل فيه التعنت عن التخفيف  في المجتمع المعاصر. كما تفضل الانقسامات المتعددة داخل الأسر البحث عن المعنى في علاقته مع المقدس القمعي الذي يحل مع غياب السلطة. ولهذا فإن التسلط غير المرن داخل الإسلام المتطرف مرغوب لإفراطه في القمعية.

 

ويبدو الأمر كما لو أن جزءا من الشباب يجمع بين البحث عن المغامرة والرومانسية والثورية والتطلع إلى تجربة الآخر (المقدس) وبين الرغبة في إثبات أنفسهم عن طريق انضمامهم بملء إرادتهم إلى شكل قمعي بهذا المعنى.

 

جاذبية الموت الطوعي

يبين الفراغ السياسي في نهاية المطاف، التزام الشباب حتى بالموت . إذ تعطي ممارسة البطولة الجانحة معنى لموت مرجو ومسؤول، ضد الوفاة الاجتماعية البطيئة والغادرة التي تهدد الشباب. ويصبح تنظيم الدولة الإسلامية مُشغلا سحريا لهذا التحول في معنى الموت. ولا تخرج الفتيات عن هذا الإطار : إنهن يظهرن جاذبية  للعنف أكثر من الرجال وخاصة، وأنهن ينوين الانفصال عن عدم الاستقرار العصري للعائلة وذلك بفضل أسطورة الزواج المتين مع الجهاديين. ومع الخوف من الوحدة العصرية ينظمن اتحادا أسطوريا مختوما بالاستشهاد الذكوري والتضحية الأنثوية، وكل هذا على أساس حرب تشل القدرات العقلية وتخلق إحساسا مبتهجا بالمشاركة في حياة ملتهبة ووليمة دموية. وبالتالي فإن الترفيه ينضم إلى المأساة بالنسبة لهؤلاء الشباب الذين اكتشفوا أنفسهم بأنفسهم في مواجهة عالم لا يستطيعون السيطرة على ينابيعه.

 

إن العزلة، وجها لوجه مع عالم ليبرالي حيث يوجد انعدام الاستقرار الوظيفي، تنضم إلى الفردية المدمرة لـ “كلٌّ لنفسه” وتولد شعورا بالمذلة التي ينسبها الشخص إلى أوجه القصور الخاصة به، مع تقييم إخفاقاته في عالم الشغل. وفي الماضي كانت الجنسية تترجم بالاستقرار الوظيفي والمشاركة في الحياة السياسية. والآن في عالم الحرب الضروس، لا يختفي الشعور بالوحدة القمعية إلا لصالح الموت الحقيقي، الذي تبدو الخشية من وصوله إليك ضئيلة، وحتى اللحظة الحاسمة التي سيأخذك فيها، على الرغم من الشعور بالخلود بالنسبة للذين تجاوزوا المراهقة والذين يبحثون عن الإثارة.  ومن خلال تجربة الجهادية يتم إعادة خلق الأسطورة والمعنى المقدس الذي يخلف الفراغ الذي تركته السياسة، وتبرزه الليبرالية الاقتصادية بدلا من سده..

 

فاطمة محمد