12
ديسمبر
2013
التعددية اللغوية والثقافية في بلجيكا
الساعة 8:05 PM قسم بلجيكا عدد المشاهدات : 422

 
 
حين يبدأ أحدهم الكلام عن بروكسل التي تضم أكثر من 170 جالية من دول العالم، تحضر دائما جملة «مدينة التعددية اللغوية والثقافية وبوابة أوروبا». قد يكون هذا صحيحا، خاصة انها تعتبر كعاصمة غير رسمية للاتحاد الاوروبي، فضلا عن تاريخ بلجيكا وموقعها الجغرافي الذي أمّن لها مركزا مميزا في اوروبا. قد تكون بروكسل هي كذلك لأي شخص حتى لأوروبي. قد يرى بعضهم انها أرحم من باريس من ناحية احتضان الوافدين الجدد من أوروبا ومساعدتهم على تعلم اللغة. 
 
الكاتب الاسباني اوسي لوس المقيم في باريس منذ سنة والذي يعطي دروسا في اللغة الاسبانية في إحدى جامعات العاصمة الفرنسية، يقول ان تجربته في باريس مختلفة تماما عن تجربة أصدقاء اسبانيين له أتوا الى بروكسل. أصدقاء اوسي الاسبان تعلموا اللغة بسرعة في العاصمة البلجيكية وصار لديهم أصدقاء من المدينة يتحدثون معهم بأي لغة يريدون. بينما هو لم يبن حتى الآن صداقة واحدة مع فرنسي. 
«أريد أن أترك باريس لأتعلم اللغة الفرنسية، ذلك أنني أقضي وقتي أتحدث مع أصدقائي الاسبان فقط، بالاسبانية طبعا!»، يخبرني وهو يضحك، ويتساءل لماذا الناس ما زالوا يصرون على العيش في باريس، «أفضل العيش هنا في بروكسل»، يقول ثم يضيف «لكنني أفضّل جنوب فرنسا فقط من أجل الشمس». 
 
قد تكون السياسة اللغوية التي تعتمدها بلجيكا مرآة واضحة لواقعها السياسي المعقّد وتاريخها المرتبط ببلدان هي جارة لها. السياسة اللغوية في بلجيكا تعطي كل منطقة حق التكلم باللغة التي تعكس ثقافتها وهويتها. إلا انها جعلت من بروكسل مدينة اللغات المتعددة. أي مدينة للجميع. تستطيع أن تدخل مطعما في بروكسل وتتحدث بأي لغة. فالعاصمة لها وضع خاص، اذ ان اللغتين، الفرنسية والفلاندرية، حاضرتان. هنا تستطيع أن تختار لغتك مع طبقك المفضل وتجد النادل يتكلم باللغة التي تريد!  
لكن بلجيكا ليست كلها بروكسل، وواقع الحال مختلف تماما في منطقة معروفة انها فلاندرية. هناك ليس من المستحب أن تتحدث بالفرنسية على سبيل المثال. قد يرضى سكان منطقة فلاندرية بأن تتكلم الانكليزية ولكن ليس الفرنسية. في بلجيكا تبدو اللغة الانكليزية لغة الحلول الوسطى، وهي تغدو وسيلة تواصل حيادية بعيدة عن سياسات اللغة والصراعات بين الجماعات. في مناطق الفلاندرز قد تذهب السياسات اللغوية الى حد بعيد في إبراز اللغة المحلية وقد يصدر قرار رسمي يطلب من جميع المحال التجارية والمطاعم تغيير الاسم من الفرنسية الى الفلاندرية. حدث هذا بالفعل في بلجيكا، وليس من وقت طويل بل في بداية عام 2013! قد يكون هذا التعصب إزاء لغة معينة سياسة دفاعية، ويحدث بشكل أقل بكثير في المناطق التي تتكلم اللغة الفرنسية. يبدو الأمر مفهوماً ذلك ان اللغة الفرنسية هي لغة الطبقات الحاكمة في تاريخ بلجيكا القديم بحيث تغدو الحاجة للدفاع عن لغة يتكلمها أكثر من 100 مليون أوروبي أقل. أما اللغة الفلاندرية فلها وضع آخر أكثر هشاشة من وضع أي لغة أوروبية أخرى. 
 
قد تتجاوز سياسات اللغة الدفاعية احيانا الحد الفاصل بين الحفاظ على اللغة والرغبة بالانفصال عن باقي أجزاء بلجيكا كما يطالب دعاة الانفصال الذين هم أنفسهم أكثر المتحمسين لفرض لغة وحيدة في مناطقهم هي اللغة الفلاندرية. وتتوافق هذه الدعوات مع موقف عنصري يظهره أصحابها ضد المهاجرين عامة، خاصة المسلمين منهم. مسألة اللغة تردّنا دون شك الى بيروت حيث تصدر في كل صباح جرائد بلغات أربع. هذا أمر قد لا ننتبه له نحن الذين اعتدنا على تعدد اللغات إلا انه جدير بالذكر والتذكر دائما، اذا علمنا انه حتى في عاصمة النور باريس لا جريدة يومية باللغة الانكليزية ما عدا منشورات موجهة للسياح وللجالية الانغلوساكسونية... أي بمعنى آخر منشورات خارج دائرة اهتمامات المواطن الفرنسي. 
 
الوضع البلجيكي الخاص يفرض صدور جرائد بلغتين اثنتين: الفرنسية والفلاندرية. أما الانكليزية فهي تقتصر على منشورات اسبوعية لا تهم سوى الجاليات العديدة التي تعمل في نطاق الاتحاد الاوروبي أو في الشركات العالمية التي اتخذت من بلجيكا (تحديدا بروكسل او انتويرب) مقرا لها. والسياسات اللغوية قد تكون أحيانا وسيلة لرسم الحدود وتحديد معالم الهويات وليس وسيلة للتواصل والانفتاح وهذا له علاقة وثيقة بتاريخ بلجيكا البعيد والقريب معا.  
بعد الحرب العالمية الثانية أتى كثير من العمال الايطاليين والاسبان والبولنديين الى بلجيكا للعمل في مناجم الفحم الحجري فيها. إلا انه في عام 1958 وقعت حادثة عمل كبيرة في أحد المناجم أودت بحياة أكثر من 200 عامل ايطالي، أوقفت على أثرها ايطاليا السماح لمواطنيها بالعمل في المناجم البلجيكية. هذا المنع فتح الباب أمام العمالة المغربية للمجيء الى بلجيكا. رشيدة المرابط كاتبة بلجيكية من أصل مغربي تعمل في مركز المساواة في الفرص ومناهضة العنصرية في بروكسل، تعتبر ان السياسة اللغوية في بلجيكا قد تتقاطع كثيرا مع العنصرية. هي تهتم بموضوع هجرة النساء المغربيات بعيد الحرب العالمية الثانية الى بلجيكا وتعمل على رواية تتخذ من النساء المغربيات وتجربتهن المريرة موضوعا أساسيا. أخبرتني أن والديها أتيا الى بروكسل لأن والدها أراد العمل في مناجم الفحم الحجري. في أعمالها الأدبية التي هي بصدد كتابتها، تريد رشيدة المرابط أن تظهر المرأة المغربية وتجربتها القاسية خلال هذه الهجرة حيث جاءت النساء مع أزواجهن العمال ولم ينخرطن بسهولة في مجتمع بلجيكي كانت العنصرية إحدى سماته، بل بقين ضمن حدود منازلهن الجديدة يتابعن شؤون العائلة والأولاد الذين ولدوا في بلجيكا كأبناء لهذه البلاد. 
 
معظم المهاجرات الأوليات كن أمّيات وقاسين تجربة الانخراط وتعلم اللغة ضمن ثقافة عائلية تمنع عليهن الاختلاط والانفتاح. اذاً اضطرت بلجيكا الى استقبال العمالة الآتية من المغرب، ثم من تركيا وتونس أيضا. أتى العمال من تلك البلدان للعمل في مناجم الفحم في بلجيكا لملء فراغ غياب العمال الأوروبيين. في ذلك الوقت كانت العنصرية مباشرة، أي على أساس الهوية واللون. كانت لا تزال هناك مقاه ومطاعم تعلن بصراحة أنها لا تريد ملوّنين بين زبائنها. العنصرية كانت موجودة واستمرت لكنها مع تطور قوانين حقوق الإنسان والمناهضة للعنصرية، أخذت العنصرية نفسها شكلا آخر وتحولت الى عنصرية ثقافية. لا نرفض الآخر بسبب لونه أو هويته بل بسبب دينه، لغته، أو ثقافته، مع زيادة «الاسلاموفوبيا» منذ تسعينيات القرن الماضي، ما أدى إلى خسارة الكثير من المهاجرين المسلمين أعمالهم ووظائفهم.
 
 تجربة قريبة منا ولبلجيكا أحيانا تجارب في غياب الحكومة ليست بعيدة عن تجاربنا. بين عامي 2010 و2011 بقيت بلجيكا ما يقارب عاما ونصف عام دون حكومة لكنها استطاعت في نهاية الامر تشكيل حكومة تمثل الجماعات المختلفة ديموقراطيا. تجربة بلجيكا تدفعنا الى أسئلة عدة: كيف يتم الوصول الى حل وسط يرضي أطرافا عدة في بلد واحد ويكون صمام أمان يقي الجماعات من العنف ومن الانقسام والتدمير الذاتي؟ إنه سؤال مهم لا بد يخطر ببال الكثير منا. كيف استطاعت تلك الدولة الصغيرة بلجيكا، ان تجتاز كل مرة ألغاما عدة في السياسة وصناعة القرار وفي الثقافة؟ لماذا فشلنا نحن ونجحوا هم؟ نجحت بلجيكا حيث فشلنا نحن. هل الاختلاف فينا نحن، في ثقافتنا؟ هل هو القانون؟ هل هي مركزية الدولة؟ هل هو الموقع الجغرافي لبلجيكا كبوابة لأوروبا (رغم تاريخها الخاص مع فرنسا)، جعلها بمأمن من أن تكون ساحة صراع؟ 
«هل يكمن الجواب في ذلك التمثال الصغير الذي تقيم له بلجيكا اعتبارا مهما؟» أتساءل أحياناً بمزاج أسود متهكّم. والتمثال عبارة عن صبي صغير يبول، يرمز معناه الى رفض الحرب والانتصار عليها بوسائل بسيطة يكفي أن تدفعها رغبة صادقة. ولا بد من دهشة وربما شهقة وتساؤل حين يزور المرء تمثال الصبي الذي يبول أو Manneken Pis كما يطلق عليه البلجيكيون، والذي يُعد رمزاً من بين الرموز البلجيكية ولا يبعد سوى مئات الأمتار عن الساحة الكبيرة في وسط بروكسل. الدهشة ليست بسبب ما يقوم به الصبي، بل بسبب حجم التمثال البرونزي الصغير الذي لا يتجاوز ارتفاع 61 سم والذي يقف في أعلى جرن رخامي كبير لنبع ماء، ومسور بسور حديدي غليظ. في عام 1987 أصبح للصبي الذي يبول شقيقة. تمثال فتاة تبول وهو أيضا نُصبَ في مكان ليس ببعيد عن التمثال الأساسي. 
 
هكذا تتحقق المساواة الجندرية المناهضة للعنف عبر نصبين هما أكثر ما يجذب السائحين في العاصمة. المهم ليس شكل التمثال وارتفاعه، بل حكايته ورمزية أسطورته التي خرجت منها أكثر من قصة. تقول الاسطورة ان طفلا صغيرا بال على ذخيرة جيش عدو وبفضله خسر الجيش الحرب وانسحب. حكاية أخرى هي ان الصبي أطفأ نارا في المدينة بفعله هذا. الحكاية نقلها الكاتب والفنان العالمي الشهير فلاديمير رادونسكي عبر رسوماته لتصبح قصة عالمية تصل للأطفال أينما كانوا. نشر رادونسكي مع قصة الصبي الذي يبول رسومات زاهية ملونة في كتاب حمل العنوان نفسه.
 
 




أخبار متعلقة
مواقعنا
استطلاع رأى

هل تعتقد أن حزب MR سينجح في تشكيل الحكومة الجديدة

65 صوت - 49 %

46 صوت - 35 %

22 صوت - 17 %

عدد الأصوات : 133

أخبار
صفحتنا علي الفيسبوك